أقلام حره الفكر السياسي الإيراني (جذوره، روافده، أثره) ...
قراءة في كتاب
الفكر السياسي الإيراني (جذوره، روافده، أثره) ... دراسة تحليلية في ضوء المصادر الفارسية
تأليف: سلطان محمد النعيمي
الناشر: "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية"
قامت الدراسة بقراءة طبيعة الفكر السياسي الإيراني ومحددات تكوينه، ودور الفكر السياسي الشيعي بشقيه الإخباري والعقلاني في تطوّر الفكر السياسي الإيراني بشكل عام، ومراحل تطور الفكر السياسي الشيعي، وهل تأثر هذا الفكر صعوداً وهبوطاً بتعاقب الدويلات والأنظمة السياسية التي مرّت بإيران بعد الإسلام؟ وكيف أثرت الروافد الفكرية الحديثة في الفكر السياسي الإيراني؟ وكيف انعكس ذلك على المستوى العملي؟
وصولاً للتيار الديني بنظرية “ولاية الفقيه” إلى أعلى درجات السلطة وتشكيله الحكومة الإسلامية ، وما النظريات التي طرحتها التيارات (الديني والليبرالي واليساري) ، بوصفها نظريات حكم بديلة لنظام الشاه بعد سقوطه ، وكيف تمكّن التيار الديني من سحب البساط من تحت أقدام التيارين الليبرالي واليساري وانفراده بالسلطة ، وبعد أن سيطر التيار الديني على زمام السلطة، وآلياته في تطويع مؤسسات الدولة لتتماشى وفكره السياسي الشيعي ، وكيف شهد العقد الثاني للثورة الإسلامية الإيرانية ظهور رؤى سياسية جديدة داخل التيار الديني بديلة لنظرية “ولاية الفقيه”؟ وما الأسباب التي أدّت إلى ظهور تحوّلات داخل الاتجاهين التقليدي والتجديدي في التيار الديني الحاكم حول نظرية “ولاية الفقيه” والنظام السياسي في إيران؟ و ملامح النظام السياسي البديل الذي يطرحه التيار الليبرالي الوطني و النظرة المستقبلية للنظام السياسي في إيران في ظل التجاذبات الداخلية والتحدّيات الإقليمية والدولية.
كل تلك تساؤلات طرحتها الدراسة وانتهت إلى أنه كان للإرث الحضاري والثقافي والتاريخي دور في طبيعة الفكر السياسي في إيران، فقد ظلّت أسس العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الموروث الفكري الإيراني قائمة على تقديس الحاكم باعتباره ظلّ الله على الأرض.
كما يعد الفكر السياسي الشيعي -ولا يزال- أهم رافد للفكر السياسي الإيراني بعد الإسلام، وظل وجود أئمة أهل البيت باعثاً للفكر السياسي الشيعي على تحقيق السلطة الدينية الإلهية باعتبارهم النخبة المختارة من الله والمعصومين من الخطأ.
أيضاً نظرية “ولاية الفقيه” وكيف استطاع الخميني تحويل النظرية السياسية التي طرحها ضمن رؤاه الفكرية إلى نظام سياسي يضمن للمؤسسة الدينية، النصيب الأكبر من السلطة والوصول بالحكومة الإسلامية إلى المستوى التطبيقي العملي، فكانت نظرية “ولاية الفقيه” والحكومة الإسلامية لاعب أساسي في الحياة السياسية الإيرانية، بعد أن ظلت حبيسة المستوى النظري طوال الفترات اللاحقة على الغيبة الكبرى.
التجاذب بين الاتجاهين الإخباري والتجديدي داخل الفكر السياسي الشيعي قائماً بعد الثورة. فإذا كان الاتجاه التجديدي بقيادة آية الله الخميني قد نجح في تحقيق الحكومة الإسلامية ونقل نظرية “ولاية الفقيه” إلى المستوى العملي، فقد ظلّ الاتجاه الإخباري معارضاً وجود الفقهاء في السلطة، ودعا هؤلاء إلى العودة إلى المساجد والحوزة الدينية.
العقد الثاني من الثورة وما شهده من تحوّلات جذرية داخل جناحي التيار الديني الحاكم نقلت الفكر السياسي الإيراني إلى آفاق جديدة غير التي كانت في العقد الأول.
ظلت القوى الوطنية والوطنية الدينية محتفظة بأجندتها السياسية الساعية إلى إيجاد نظام ديمقراطي يستوعب جميع أطياف المجتمع بتنوّع رؤاه وفكره، رافضةً في الوقت ذاته الجانب العملي لنظرية “ولاية الفقيه” التي تتناقض مع توجهات هذا التيار الذي يناهض احتكار السلطة لدى فئة معينة دون غيرها.
وختاماً تشير الدراسة البحثية المهمة حول الفكر السياسي الإيراني بإن التوجه نحو التغيير دون الالتفات إلى مصالح القوى المؤثرة والفاعلة في إيران، وغياب التفاهم، وفقدان الثقة بين مختلف القوى الفاعلة، والتفرد بقراءة خاصة وأحادية للسلطة دون الأخذ في الاعتبار قراءات القوى الأخرى ورؤاها الفكرية، تعتبر من أهم المعضلات التي تقف حائلاً دون ظهور مشاركة سياسية فاعلة وحقيقية ، بمعنى أن سلطة ولاية الفقيه هي الوحيدة المنفردة بالسلطة متجاهلةً القوى الأخرى . وبالتالي فإن الدراسة تعتبر دراسة مهمة ومرجعية للتاريخ السياسي الإيراني المعاصر .
والله الموفق ،،،
تركي بن ناصر الموح
turki.mouh@gmail.com