أتحدث اليوم عن وهم آخر .. وهو وهم يتعلق بالزواج أيضا .. وبالتحديد .. تكاليف الزواج التي يتحدث عنها الكثير من الشباب ويصفونها بأنها العائق الأكبر عن الزواج .. والمبرر المفحم للزواج من الخارج .. أو الانغماس في علاقات محرمة ذات نهايات وخيمة سواء أكان ذلك في اليوم .. أو الغد !
فهل تكاليف الزواج في وقتنا الحاضر مكلفة بالفعل ؟!
للإجابة على هذا السؤال .. لا بد لنا من العودة إلى الماضي .. عشرون عاما تقريبا .. حينها .. لم نكن نسمع أن هناك مهر في المعتاد أقل من 100 ألف ريال .. تزيد أو تنقص قليلا .. بينما اليوم .. لا يكاد يصل المهر إلى 30 ألف ريال في أفضل الظروف .. بينما يتأرجح في الغالب مابين العشرة والعشرين ألفا .. ومبلغ كهذا لن يكون بالطبع أكثر من مصاريف الرحلات الخارجية إلى دول أخرى للنزهة والترفيه .. الغير بريء أحيانا !
كما أنها لا تساوي في حسابات الشباب قيمة سيارة يتفنن في اختيارها ويبذل بسخاء لتزيينها ووضع لمسات فنية .. قد تكون مزعجة أو لا قيمة لها وتكلفه الآلاف من الريالات .. فلا يعتبرها من ضمن الخسائر .. كما يعتبر مصاريف الزواج .. الذي يكمل به نصف دينه .. ويحصد من منافعه مالا يحصده من لهو هناك أو عبث هنا .
في الماضي القريب .. لم تكن هناك صالات أفراح عديدة .. وبالتالي لم تكن هناك صالة أفراح تقل قيمة إقامة حفل الزفاف بها عن العشرات من الآلاف .. واليوم تتعدد الخيارات .. وتتفاوت الأسعار حتى تصل بعضها إلى الثلاثة آلاف والخمسة آلاف .. أما في حالة استئجار حفل في استراحة كما يفعل البعض .. فإن الكلفة تنخفض إلى سعر لا يذكر مقارنة بأسعار قاعات كبرى .. وهذا يعني أن حفل الزفاف أصبح متاحا لجميع الناس على اختلاف إمكاناتهم المادية .
في الماضي .. كانت العادات العقيمة .. والمبتدعة ترهق كاهل الزوج وأسرته .. فتفرض عليه مثلا أن يقدم مبلغا من المال لآهل الزوجة .. أو تقديم هدايا مكلفة تصل إلى عشرات الآلاف .. بينما تقوضت هذه العادات اليوم إلى حد كبير .. بعدما انتشر الوعي بين اغلب الناس بأهمية التخفيف من العبء عن كاهل الخاطب .
في الماضي .. لم تكن أيضا مشاغل التجميل بمثل هذا الانتشار .. وكذلك الأمر بالنسبة للخياطين ومعارض الأزياء .. فلم تكن العروس تحلم بثوب زفاف يقل عن خمسة أو عشرة آلاف .. بينما يمكنها الحصول عليه اليوم بأقل من هذا بكثير .. حسبما تفرضه إمكاناتها .. أو قناعاتها .. فالوعي أيضا قد انتشر بين الفتيات فأصبحت الواحدة منهن أكثر وعيا بما يفترض أن تكون عليه في حفل زفافها .. فالطلعة الجميلة والتميز لا يشترط أن يكون بالتكاليف المبالغ فيها والتي يمكن أن توفرها في شيء أكثر فائدة .. إن كان ما لديها يكفي ليفيض !
وحتى إن نظرنا إلى الأثاث .. والأجهزة المنزلية .. وكل ما يمكن أن يؤدي نهاية إلى بيت زوجية متكامل .. جميع ذلك أصبح في متناول الجميع .. فالسوق تزخر بالماركات المتعددة .. والتي تتفاوت أسعارها لتناسب مختلف الفئات .. كما أن أنظمة جديدة دخلت للسوق كنظام التقسيط .. أو الإيجار المنتهي بالتمليك .. تعتبر من المزايا التي يمكن استخدامها في حالة الاضطرار أيضا .. إذا كان لابد منها .. وهذا بالطبع يعتمد على حسن التدبير والتوازن في الإنفاق والتخطيط الجيد لمجمل التكاليف بما يتناسب مع الإمكانات المتاحة .
وبعد .. فالمشكلة دائما ليست سوى في أسلوب التفكير .. ويحزنني فعلا .. إن معظم الناس لا تحيا سوى بأحكام مسبقة .. وخبرات سابقة دون أن تمنح نفسها فرصة النظر إلى مجمل التغيرات والتطورات التي تحياها وتمر بها بعيدا عما كان في الماضي .. أو يكون في مكان آخر .
والحقيقة أن قصة التذمر من المهور العالية .. لم تكن وليدة الحاضر بكل التسهيلات التي ذكرتها آنفا .. بل كانت شكوى أناس عرفوا حجم المعاناة .. وتجرعوا مرارة التكاليف الحقيقية سابقا .. لكن .. وبما أننا دائما نحتاج إلى شماعة نعلق عليها تخاذلنا .. أو أخطاؤنا .. نتشبث دائما بأحكام مسبقة .. لم تكن وليدة تجاربنا الحقيقية .. وإنما وليدة تجارب أناس اختلف زمانهم واختلف واقعهم كثيرا عن واقع اليوم .
والسؤال الذي يتبقى .. هل بالفعل تكاليف الزواج في هذا الزمن لا تزال مرهقة ؟؟ .. وهل تستحق بالفعل أن تكون عائقا عن الزواج ؟
أسئلة ينبغي لكل شاب يحترم المنطق .. كما يحترم عقله .. أن يفكر فيها ويجيب عليها ..
عندما يرغب احدهم في السفر للنزهة .. أو مشاهدة مباريات .. أو شراء سيارة .. وبالرغم من صعوبة المقارنة بين هذا وبين مشروع الزواج .. إلا انه قد يلجأ للدين .. ويكلف نفسه مالا طاقة .. من أجل شيء يمكن الاستغناء عنه .. كالنزهة أو اللهو .. كما يمكن استبداله بخيار أقل كلفة كالسيارة مثلا .. دون أن يحز ذلك في نفسه أو يقضي الوقت متحسرا على ما تكبده من تكاليف .
ولكن .. حين يصل الأمر إلى الزواج .. تكوين كيان .. بناء أسرة .. تحقيق استقرار .. الحصول على امتداد وسند .. دعم للذات ولمسيرة الحياة .. يصبح الأمر بحاجة إلى كل هذه الضجة الجوفاء!
لن أطيل الحديث .. ويكفي أن يسأل المرء بنفسه من حوله ليتعرف إلى مستوى المهور التي تعتبر العبء الأكبر في نظر الكثيرين .. هل هي لا تزال كما كانت في السابق ؟!
أن الحياة تتغير .. الظروف تتطور .. فلماذا نصر دائما على إحياء مشاكل الماضي التي رحلت معه .. ولماذا لا نكون منطقيين في الحكم على الأمور ..
ليتنا فقط نمنح عقولنا فرصة التفكير بدلا من تقلد أفكار سابقة لا تتناسب مع واقعنا الحقيقي !