في أحيان كثيرة تكون الأكاذيب أكثر مصداقية عند الناس من الحقائق خصوصا حين تكون الأكذوبة ذات جاذبية اجتماعية أو ثقافية أو سياسية أو تلامس شيئا في نفوس الناس الذين صدقوها ’ فالإنسان لايبحث دائما عن الحقيقة بقدر بحثه عن الحكاية المشوقة أو الخبر الذي يتوافق مع تفكيره.
لم تسقط تفاحة على رأس نيوتن حين أكتشف قانون الجاذبية، أما داروين فلم يقل إن الإنسان أصله قرد حين كتب نظرية التطور، وماري أنطوانيت لم تقل لجياع باريس: (فلتأكلوا البسكويت إذا لم تجدوا خبزاً) حين اندلعت الثورة الفرنسية، والمتنبي لم يقل لعبده قبل مصرعه: (قتلتني ياعبد السوء)، وسعد زغلول لم يقل لزوجته:( غطيني ياصفية.0مفيش فايدة).
كل هذه الأكاذيب أو الإشاعات أصبحت اليوم حقائق تاريخية يصعب نفيها فقد تحولت مع مرور الزمان إلى حقائق راسخة وقد حققت الأهداف المطلوبة منها بامتياز, فنظرية داروين التي ووجهت برفض شديد كانت تصطدم دائما بحكاية القرد، والملكية الفرنسية اكتسبت صورتها القاسية وغير المبالية بأحزان الشعب من خلال بسكويت ماري انطوانيت، والمتنبي الذي رفض الحماية قبل اغتياله تم إلغاء موقفه الشجاع بأسطورة العبد الذي أجبره على الالتزام بما قاله من شعر:( أتهرب وأنت القائل؟)، وسعد زغلول الذي يعد مثالا لاستنهاض الهمم أصبح أكبر مبشر بحالة اللاجدوى ونموذجا تاريخيا لتبرير السلبية والإحباط.
ومن هذا المنطلق يمكننا فهم تهافت صحف العالم على خبر صغير قادم من السعودية رغم أنه لايمثل واقع البلاد ولايعبر بأي حال من الأحوال عن طريقة تفكير المجتمع، ويكون أساس هذا الخبر فتوى دينية غريبة تعرضت للتحوير بشكل أو بآخر، أو حادثة اجتماعية مضحكة يمكن أن تحدث في أي مكان في العالم، أو تصريح مختلق تم نفيه فيما بعد، ولعل السبب الحقيقي في هذا التهافت الإعلامي الدولي على مثل هذه الأخبار الصغيرة أنها تدعم فكرة ما يروجه البعض عن هذه البلاد وأهلها فتأتي مثل هذه الأخبار بمثابة الدليل الدامغ على صحة هذه الفكرة.
أنا لا أتحدث هنا عن حق الصحافة في نقل الأخبار الغريبة والطريفة فالجرائد لم تكن في يوم ما وسيلة لنقل الأخبار العادية والأحداث البديهية، ولا أنفي أيضا أن واقعنا اليومي حافل بالكوميديا السوداء والبيضاء والحمراء فهذا هو حال البشر في كل مكان، ولكنني أشعر أحيانا أن الاحتفاء الإعلامي الدولي بمثل هذه الأخبار سوف يجعلها ملتصقة بنا خصوصا وأن الكثير من وسائل الإعلام العالمية تجد في مثل هذه الحوادث الكاريكاتورية فرصة لترسيخ صورة غير صحيحة عن مجتمعنا.
نحن اليوم – شئنا أم أبينا – قوم نبحث عن ميكي ماوس لننحره من الوريد إلى الوريد، ونحن أيضا – شئنا أم أبينا – مجتمع لايفكر ولايعمل لأنه مشغول بمكافحة السحر ومطاردة السحرة الذين يملأون شوارعنا !، أما شيوخنا الذين أعياهم الهرم فلا هم لهم سوى البحث عن زوجات لم يتجاوزن العاشرة من العمر.00 ويالها من صور ظالمة ومؤذية إذا ما التصقت بنا!
كلامك كبير ومهم، ومفيد، ولكن للأسف لا تستطيع أن تفصح عن المزيد مما في كينونتك، ليتك تعطي توضيحا لبعض الغموض، وتواجههم مباشرة هؤلاء الذين أردت مهاجمتهم، لماذا تخشاهم، اقدعهم حتى يدركوا أننا لم نعد عبيداً للمفتين ولا لرجال لأشكالهم المتعصبين، لنا دولة هي التي تسير أمور حياتنا، ولنا رب هو الذي يقرر أين لنا المصير، ولكن لا نريد غيرهم أن يعطي لنفسه الإلوهية في الأرض وهم فاسدون.
لك شكري