نحن بحاجة إلى حملة لإيقاظ الضمائر النائمة وعلاج النطيحة والمتردية منها، وتلك التي قنعت بالانفصال عن مجتمعها، فأصبحت لا تفكر سوى في مصالحها الخاصة الأنانية الضيقة، ولو كانت على حساب آخرين كثيرين كانوا أو قلة.
والضمير هو في الجوهر ومن الجواهر، لا يظهر لمعانه بشكل أو صورة، بل يستدل عليه بالتعامل، القصد حقيقة التعامل لا «ذرابة» اللسان، و «طلاقة» الوجه وغيرها من أدوات المصانعة الاجتماعية المعروفة، أضغط هنا لأن الشكل في مجتمعنا غلب على المضمون حتى أصبح الأخير أو الحديث عنه مدعاة للسخرية عند البعض.
وبالأمس طالعنا قصة الرجل الذي استيقظ ضميره، بعد 20 عاماً، من حادثة مرور تسبب بها عندما كان يافعاً يلهو مع أقرانه بالسيارة، كانت النتيجة ان دهس رجلاً وتركه يتخبط بدمائه، ولا يعرف حتى الآن هل هو ميت أو بقي على قيد الحياة، ما لا ينسى أن الـ20 عاماً أيضاً كانت مؤلمة لأهل المصاب، سواء نجا بإعاقة أو توفي جراء الإصابة، وفيها ظلم كبير وقع عليه وعليهم.
وهناك قصص كثيرة تروى شفاهة عن استيقاظ الضمير وعودته للحياة مطالباً بالعدل، وهي بحاجة إلى بحث أو توثيق ثم التدوين، لأن لها فائدة عظيمة، الضمير الحي لا يرضى بالظلم وهو يحاول مدافعاً عن العدل بحسب قوته وقدرته داخل نفس صاحبه، ومحاولاته تلك هي لمصلحة صاحبه، لكنها النصيحة التي قد لا يرغب الكثير بسماعها، حتى الضمير يصاب بالإحباط، وهو أيضاً يتغذى ويجوع وله طعام خاص.
تتركز القصص الشفهية عن صحوة الضمير على المال واستغلال النفوذ، وهي تروى غالباً في المجالس بالأسماء، وهذه واحدة منها، بالطبع، من دون أسماء.
كان احد المواطنين في الخارج للعلاج، وعلم أن في المستشفى الذي يقيم فيه مواطناً آخر لا يعرفه، فقرر السلام عليه، فوجد جسداً ذاوياً ممدداً على السرير وضميراً مثقلاً أنهك صاحبه، وبعد أن شكره على الزيارة طلب منه معروفاً وجميلاً لن ينساه، قدم الطلب مبللاً بالدموع والفزع، وملخصه أن يبحث له عن فلان بن فلان، لماذا؟ لأنه عندما كان ممسكاً بزمام أمر، قبل رشوة ليحرف الحق عن صاحبه وهو يريده الآن ان يسامحه، أو كما يقول أهلنا «يحلله ويبيحه». لك أن تتخيل أولئك الذين يظلمون أناساً كثيرين لا يعرفونهم… ماذا يفعلون إذا استيقظ الضمير وأفزع صاحبه، سأقول لكم، قد يستيقظ الضمير والورثة جالسون، يجمعون ويقسمون ولا يسمعون، فهم في عالم آخر غير ذلك العالم الذي يراه المفزوع… أصبح الأخير خارج نطاق التغطية!